غازي القصيبي: شاعر الوطن ووزير الكلمة
رحلة حياة غازي القصيبي بين الأدب والسياسة والإبداع، قصة رجل جمع بين الشعر والفكر والقيادة والفكر الاستراتيجي.
يعد غازي القصيبي واحدًا من أبرز الشخصيات في الأدب والشعر والسياسة السعودية. لم يكن مجرد شاعر يكتب أبياتًا جميلة، ولا روائيًا يقدم أفكارًا جريئة، بل كان أيضًا مفكر ودبلوماسي وإداريًا جمع ما بين الإبداع في كتاباته وما بين السلطة والإدارة في حياته. من قصائده إلى مواقفه الوزارية، أحدث بصمةً واضحةً في المجتمع السعودي خاصة وفي المجتمع الخليجي عامة. في هذه التدوينة، سنغوص قليلًا في عالم غازي القصيبي ونكتشف بعضًا من جوانب شخصيته المتعددة.

وُلد غازي القصيبي في الأحساء، وفقد والدته – رحمها الله – بعد ولادته بتسعة أشهر، فنشأ بلا أقران.
بدأ حياته الإبتدائية كطفل تغلب عليه الكآبة والعزلة والانطوائية كما وصف نفسه، وغادرها بعد سبع سنوات صبيًا متحررًا من تلك الصفات ومحاطًا بمجموعة من الأصدقاء.
وفي الحديث عن الأصدقاء، ذكر غازي القصيبي في كتابه " حياة في الإدارة " أنه عندما كان في المدرسة الابتدائية ذهب والده إلى متجر ما ذات يوم فوجد غازي مع مجموعة من زملائه وسأله فيما بعد:( مع من كنت؟ ) فقال غازي على الفور:( مع أصدقائي ) قال والده مستغربًا:( كل هؤلاء أصدقائك؟ ). فقال غازي بثقة:( نعم! كلهم! ). فضحك والده قائلًا:( أنت محظوظ لو خلص لك من بينهم صديق واحد ).
واسترسل والده في حديثه ذاك، وحكى له قصة معروفة في المأثور النجدي الشعبي: كان هناك شيخ في إحدى قرى نجد، لاحظ أن ابنه الفتى يقضي معظم وقته مع أصدقائه، فسأله يومًا: ( يابني! لماذا تقضي كل وقتك مع هؤلاء الفتيان؟ ) فأجاب الإبن: ( لأنهم أصحابي! ) فسأله الأب: ( هل سبق أن جربت أحدًا منهم؟ ) فرد الابن بالنفي.
فقال الأب: ( اسمع! لديك كل هؤلاء الأصحاب، وليس لي سوى صاحب واحد. فلنختبر أصحابك وصاحبي ونرى النتيجة! )
فأخذ الأب خروفًا وذبحه، ووضعه في كيس، وأعطاه لعبده، ثم ذهب الثلاثة ليطوفوا على أصحاب الإبن واحدًا تلو الآخر. وكلما فتح أحدهم الباب، أخبره الإبن أنه اضطر إلى قتل رجل، مشيرًا إلى الكيس المملوء بالدم، وطلب المساعدة من صاحبه. لكن جميع أصحاب الإبن تعللوا بأعذار مختلفة، ورفض أي منهم تقديم أي نوع من العون أو المساعدة.
بعد ذلك، ذهب الإبن والأب إلى صاحب الأب، وأخبره الأب بما جرى، إلا أن الشيخ استمع بهدوء وسأل: ( هل شاهد أحد الواقعة ؟ ) فأجاب الأب: ( لم يشهدها أحد سوى العبد ).
وقبل أن يدرك أي شخص ما حدث، رفع الشيخ سيفه وأهواه على رأس العبد قائلاً: ( قص رأسه، ليضيع الخبر! )
نعم! أعلم أن هذه قصة دموية وقاسية بعض الشيء، لكن والد الإبن أراد أن يوضح له درسًا مهمًا وهو أن الصداقة الحقيقية لا تولد إلا في أتون التجارب القاسية. فالصديق الحقيقي لا يظهر إلا في المواقف الصعبة.. فليس كل من ابتسم لك وضحك في وجهك صديقًا، وليس من كان معك في اللحظات السهلة الهينة صديقًا، بل الصديق هو من يثبت وجوده إلى جانبك في الشدائد، قبل اللحظات السعيدة واليسيرة. وهذه نصيحتي لكم أنا أيضًا: احرصوا على معرفة أصدقائكم الحقيقيين من خلال اختبارهم في المواقف الصعبة، لا من مجرد اللحظات الهينة والسعيدة. ففي الأوقات السعيدة، يبدو الجميع صديقًا.
نكمل تدوينتنا بالتطرق إلى علاقته مع زوجته، السيدة سكيرت (التي كان يلقبها بـ "أم يارا")، شريكته الحقيقية في مسيرة الحياة بكل ما تحمل الكلمة من معنى. وقد كتب عنها في حياة في الإدارة قائلاً:
"استطاعت زوجتي، طيلة حياتي الوظيفية، التأقلم مع كل متطلباتها... وعندما أصبحت وزيرًا وطالت ساعات العمل وتعددت الرحلات، لم أرها أو أسمعها تتذمر قط... كانت تتولى شؤون المنزل كلها، وشؤون العاملين فيه ومعظم شؤون الأولاد. كان حظي سعيدًا مع الزواج، وإن كنت نجحت في بعض حياتي فقد كانت زوجتي الشريكة الحقيقية في هذا النجاح، المرأة المجهولة التي تقف، بحب وصمت وولاء، وراء رجلها".
وكان يقول لها أيضًا: "جلوسي مع الناس واجب، وجلوسي معك مكافأة على إتمامي الواجب".
ولعل أجمل ما يعكس عمق هذه العلاقة وصدقها، تلك الكلمات التي كتبها غازي القصيبي لزوجته، معبّرًا فيها عن حبه ووفائه:
" أيا رفيقةَ دربي! لو لديّ سوى عمري.. لقلتُ: فدى عينيكِ أعماري
أحببتني.. وشبابي في فتوّتهِ وما تغيّرتِ.. والأوجاعُ سُمّاري "
وهل في الحياة ما هو أعظم من علاقة مبنيه على الصدق والولاء؟ لقد كانت تلك العلاقة أكثر من مجرد زواج، بل نموذجًا للحب الحقيقي القائم على الوفاء والشراكة.
ونصل الآن إلى محطة هامة في حياة غازي القصيبي الإدارية حيث عمل أستاذًا مساعدًا في جامعة الملك سعود، ثم مستشارًا قانونيًا في وزارة الدفاع والطيران (وزارة الدفاع حاليًا). وبعد ذلك تولى عدة مناصب بارزة، فبدأ في وزارة المالية، ثم في معهد الإدارة العامة، وتولى عمادة كلية التجارة التي وصفها بأنها أصعب ما تولاه في حياته، بل وأصعب من منصب السفير. كما شغل منصب مدير المؤسسة العامة للسكك الحديدية، ثم أصبح وزيرًا للصناعة والكهرباء، فوزيرًا للصحة، وبعدها سفيرًا للمملكة في البحرين، ثم في بريطانيا، وأخيرًا وزيرًا للعمل.
من أبرز سمات غازي القصيبي الإنسانية كانت حرصه العميق على الآخرين ومساعدتهم في مواقف الحياة المختلفة. وقد روى الأستاذ حمد القاضي، عضو مجلس الشورى سابقًا، بعض هذه المواقف التي تعكس هذا الجانب من شخصيته:
أولها هو بكائه في مستشفى الأطفال بالمدينة المنورة أثناء زيارته، تأثر بشدة برؤية بعض الأطفال منومين في إسياب المستشفى نتيجة نقص الغرف، ولم يغادر المدينة إلا بعد أن ساهم في حل تلك المشكلة.
وموقف المرأة المطلقة التي سعى لإعادة اطفالها إليها بعد أن حرمها زوجها من رؤيتهم، وذهب شخصيًا لمقابلة الزوج في أحد أحياء الرياض الشعبية، وأقنعه بأن يترك الأطفال لأمهم، بعد أكثر من ستة أشهر من الحرمان.
وجمعية الأطفال المعوقين بالرياض الذي كان وراء فكرة تأسيسه، والتي انتشرت فروعها في أنحاء المملكة لتقدم الرعاية للأطفال ذوي القدرات الخاصة، ويستمر نهجه في دعم هذه الفئة إلى اليوم حتى في غيابه.
كما أشار القاضي إلى أن هذه المواقف ليست سوى جزء بسيط جدًا من إنسانيته العميقة، فهناك أيضًا قصص مثل تركه مكتبه لإنجاز عمل عاجل، أو سعيه لعلاج زوجة موظف لديه، أو احتفاؤه بالمستخدم الذي دعاه كوزير، وكلها مواقف وقصص تعكس حرصه الدائم على مساعدة الآخرين.
كان غازي القصيبي جريئًا في كتاباته بلا حدود، لا يخشى قول الحقيقة ولا مواجهة الواقع كما هو، ويقف في وجه الأفكار السائدة بشجاعة.
لم تكن مواقفه مجرد آراء، بل كانت بيانًا صادقًا يعبر عن قناعاته حتى لو أثارت جدلًا واسعًا.
وقد أحدثت معظم مؤلفاته ضجة كبيرة عند صدورها، وكثير منها قد مُنع من التداول في السعودية، خصوصًا رواياته، وما زال بعض محتواها ممنوعًا حتى اليوم، شاهداً على عمق تأثيره وجرأته.
وفي نهاية هذه التدوينة أشارككم هذه الأبيات التي قد تكون مألوفة للكثيرين، لكن القليل فقط يدرك أنها للشاعر غازي القصيبي والتي أجد فيها دائمًا مصدر مواساة وإلهام:
"تشاء أنت من البشائر قطرة ويشاء ربك أن يغيثك بالمطر
وتشاء أنت من الأماني نجمة ويشاء ربك أن يناولك القمر
وتشاء أنت من الحياة غنيمة ويشاء ربك أن يسوق لك الدرر
وتظل تسعى جاهدا في همة والله يعطي من يشاء إذا شكر
والله يمنع إن اراد بحكمة لابد أن ترضى بما حكم القدر"
تعكس هذه الأبيات فلسفة غازي القصيبي العميقة في الحياة والقدر، فهي تذكرنا بأن الإنسان يبذل جهده ويسعى، لكن النتائج بيد الله سبحانه وتعالى. وهنا يظهر دور الرضا فليس المهم فقط ما نتمناه أو نرغب فيه، بل أن نرضى بحكمة الله في توزيع الأقدار. الرضا هو مفتاح الطمأنينة والتوازن بين الاجتهاد والإرادة الإلهية، ودليل على الصبر والتفاؤل في مواجهة ما قد يقدره القدر.
غازي القصيبي، الشاعر والفيلسوف والإنسان، الذي عاش حياته بين الطموح، المسؤولية، والرحمة بالآخرين. رحم الله فقيدنا الغالي، وأسكنه فسيح جناته.