تأمل في أثر المكان والناس والهدوء على تشكيل وعي الإنسان وملامحه الداخلية
لا يُولد الإنسان في فراغ, فكل تفصيلة حوله تمتد داخله بطريقة لا يراها في البداية، الصوت الذي يسمعه كثيرًا يصبح صدى في داخله، والفكرة التي تتكرر أمامه تتحول مع الوقت إلى جزء من مَنْطِقِه الذي لا يفارقه، فالمحيط لا يصيغ ملامحنا وحدها بل يُبَدِّل الطريقة التي نرى بها أنفسنا والعالم وإن لم نكن واعين تمام الوعي لذلك.
يتسرب إلينا المكان مثل الضوء ويصبغ ذاكرتنا دون أن ننتبه، الممرات التي نقطعها كل صباح تغدو هوية تنسج من تكرارها فينا جزءًا لا يتجزأ من عاداتنا اليومية ومن تكويننا الداخلي، حتى المقعد الذي نختاره في قاعة الدراسة يترك أثرًا صغيرًا يتراكم حتى يصنع فينا ملمحًا جديدًا فالمكان لا يحتوينا فحسب بل يعيد ترتيب دواخلنا حتى يتجذر فينا لا كذكرى عابرة بل كامتداد يصبح بعضًا من تكويننا.
عن الهدوء الذي يصوغ ملامحك:
الهدوء ليس صمتًا فارغًا كما يبدو، بل حيز يعيد ترتيب الوعي في البيئات التي تقدر المعنى أكثر من الضجيج، حيث ينشأ الحوار من الإصغاء لا من السباق على الكلمة فهناك تتعلم أن الصمت حضور آخر لا انسحاب ولكن البيئة نفسها قد تورثك سكونًا خادعًا ورِقَّة تتسلل حتى تطفئ فيك الحركة، فليس كل هدوءٍ سلامًا، بعضه تخدير للسعي وتمويه للعجز، وهنا يكتشف الإنسان قدرته على تمييز الصوت الداخلي الذي ينهض به عن الصمت الذي يسحبه فيختار أن يكون حاضرًا لا متأثرًا فقط.
في مرآة الآخرين :
العلاقات لا تشبه الانعكاس الصافي كما نظن، إنها مرايا مائلة تُظهِر وجوهًا لم نتجرأ على النظر إليها من قبل، كل شخص نمر به يودع فينا ظل تجربته، فبعضهم يرفعنا لأنهم يعيدون تعريف الثقة في دواخلنا، وبعضهم يهبط بنا حتى نعرف مداخل الخبو على بصائرنا، ونُدرك أن التراجع أحيانًا لا يُطفئنا بل يعلمنا حدود النور، وهنا بين العبور والمُكْث يتعلم الإنسان كيف يميز عمق التأثير من زخرف القرب، فالانغماس الكامل في الناس يذيب الملامح، والانفصال التام يجعل الوعي أعمى عن ذاته، لذا التوازن هو معرفة متى تكون النتيجة داخلك، ومتى يحملها الآخر دون علمك، وكثيرٌ منا لا يدرك هذا الأثر إلا حين يكون التغير قد تم فعلًا حين تصبح أنت غيرك في حالات حرجة من الوقت..
المكان وعاء للذاكرة :
كل زاوية مررت بها أبقت شيئًا منك، وكل ركن احتضن فكرة أو لحظة سيستعيدها بصمته كلما تذكرت، نمضي وتبقى الأماكن فينا تحمل ملامحنا حتى ونحن نغادرها بين الفينة والأخرى. تطول مغادرتنا حتى تصبح رحلة أشبه أن تكون بلا وصول وبلا عودة، رحلة المسار الواحد، نحن نحاول انتزاع الأماكن من مخيّلاتنا لكننا نجد أنها هي الجدار الذي نعلق عليه ذكرياتنا، وكل ذلك يحصل دون قصد، ومع الوقت نتعلم أن نصالح أماكننا دون رغبة عارمة في هجرها، وأن نأخذ منها ما ينضجنا ونترك ما أرهقنا، فالمكان وإن شكلنا يومًا نستطيع أن نعيد تشكيله متى عرفنا موضعه الحقيقي في داخلنا.
في المجموع:
الإنسان لا يصنع محيطه قبل أن يصنعه المحيط، فهو مزيج مما اختبره وتجاوزه وما بقي في ذاكرته حين لم ينتبه، يظن أنه اختار طريقه وحده لكنه يسير على أرض شكلتها خطوات الآخرين بعد الله من قبله، فالبيئة ليست خلفية لأحداث الحياة إنها الحدث نفسه، هي ما يفسر صمتنا وطريقتنا في الفرح ونبرة أصواتنا حين نتحدث عن الأشياء التي نحبها وحين نفهم أثرها ندرك أن وعينا لا يكتمل بمعزل عنها، وحين يبدأ الإنسان بعد وعيه بإعادة تشكيل محيطه يبدأ الدور في الاتساع ويغدو الأثر مهذّب الحواف لا تعتري اطرافه حدّة ، فيصنع بدوره محيطًا جديدًا يشبه ما تمنى أن يكون عليه بعد الله، وهذا هو جوهر التغير الحقيقي أن تبدأ بالتردد الذي أودعه فيك الآخرون ثم تعيد صياغته على طريقتك، فالإنسان في نهاية الأمر هو صدى ما أحبه وفقده وما قرر أن يحتفظ به ليصنع منه بمشيئه الله شكله الآتي.
“نشكر والد رانيا معتوق المالكي على إشرافه وتوجيهه الكريم في إعداد نشرة هذا الأسبوع.”
المحتوى:
رانيا المالكي
حرر بواسطة:
وصال الهذلي
تصميم:
امجاد العتيبي
الفويس اوفر:
جوري القصير